اللجنة العلمية للمؤتمر
392
مجموعة مقالات المؤتمر الدولي للشيخ ثقة الإسلام الكليني
لأنّ البصيرة تكون في القلب ، والمقصود بالقلب في خطاب المفسّرين هو « العقل » ، ذلك بأنّ القلب لا يتصوّر الأشياء ، وإنّما الذي يدركها ويتصوّرها العقل « الذهن البشري » . ولمّا كان العقل هو موضع التفكير والتصوّر والتوهّم والخيال ، عبّر عنه سبحانه بالأبصار ؛ لأنّه يُبصَر به من خلال التصوّر . وعلى الرغم من أنّ التصوّر العقلي لا حدود له ولا حدّ ، فإنّه لا يمكنه بأيّ حالٍ من الأحوال أن يحيط باللَّه تعالى مهما بلغ واجتهد في تصوّره وتوهّمه ، ومهما كانت درجة ذلك التصوّر ومقدرة ذلك العقل المُصّور ، فكأنّ الإمام بتفسيره ل « الأبصار » بآية الأنعام - التي أثبت بها أنّ الأبصار هي الأوهام - قد رجع خطوة إلى الوراء في نطاق بيان دلالة آية : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » ؛ إذ ليس المراد إبصار العيون ، وإنّما إبصار العقول . فكأنّ الإمام بهذا التفسير القرآني قد بيّن مكانة اللَّه تعالى وعظمته وعلوّ شأنه عن الإدراك بأيّ صورة من الصور ، فهو لم يفسّر النصّ بأبصار العيون كما يخاله الناس جميعاً ، بل فسّرها بأبصار العقول ؛ ذلك بأنّ الذي لا يستطيع أن يرى اللَّه سبحانه بعينه ، فلربّما يخطر في باله أنّه قادر على أن يراه في تصوّره وعقله « تشخيصاً » ، أو قد يحسب بعض الناس أنّ اللَّه تعالى نفى إبصاره بالعيون ولم ينفِ إبصاره بالعقول ، ومن ثمّة فإنّ مسألة تصوّره والنظر إليه في الخيال الذهني أمر ممكن ، وقد تكون إحدى تلك التصوّرات معبّرة عنه فعلًا ، كما هو في الحقيقة الوجودية له . فمن أجل أن لا يحدث هذا الاضطراب الدلالي أو الاستدلالي بأسره ، عاد الإمام خطوة إلى الوراء في تفسيره للفظة « الأبصار » ، وأسندها بدلالة آية أُخرى فأقرّ المتلقّي على أنّ معناها هو « الإبصار الذهني » ؛ ذلك بأنّ نفي الإبصار الذهني أبلغ في إبعاد مراد رؤيته تعالى من نفي الإبصار العَيني ؛ لأنّ العين ترى أشياء ومجسّمات مشخّصة وظاهرية فحسب ، فهي محدودة ومحكومة بالموجود الخارجي ، على حين أنّ البصيرة « العقل أو التصوّر الذهني » بمقدرته أن يتصوّر أشياءً أكثر من التي تراها العين